ابن أبي الحديد
377
شرح نهج البلاغة
وقالت الحكماء : نفوس السباع أردأ النفوس وأخبثها لفرط شرهها وشرها . قالوا : وقد وجدنا الرجل يضرب الحية بعصا فيموت الضارب والحية ، لان سم الحية فصل منها حتى خالط أحشاء الضارب وقلبه ، ونفذ في مسام جسده . وقد يديم الانسان النظر إلى العين المحمرة فتعتري عينه حمرة ، والتثاؤب يعدى أعداء ظاهرا ، ويكره دنو الطامث من اللبن لتسوطه ، لان لها رائحة وبخارا يفسد اللبن المسوط ( 1 ) . وقال الأصمعي : رأيت رجلا عيونا ( 2 ) كان يذكر عن نفسه إنه إذا أعجبه الشئ وجد حرارة تخرج من عينه . وقال : أيضا كان عندنا عيونان فمر أحدهما بحوض من حجارة ، فقال : تالله ما رأيت كاليوم حوضا ! فانصدع فلقتين ، فمر عليه الثاني ، فقال : وأبيك لقلما ضررت أهلك فيك ! فتطاير أربع فلق . وسمع آخر صوت بول من وراء جدار حائط ، فقال : إنك كثير الشخب ، فقالوا : هو ابنك ، فقال : أوه انقطع ظهره ، فقيل لا بأس عليه إن شاء الله ، فقال : والله لا يبول بعدها أبدا ، فما بال حتى مات . وسمع آخر صوت شخب ناقة بقوة فأعجبه ، فقال : أيتهن هذه ؟ فوروا بأخرى عنها ، فهلكتا جميعا ، المورى بها والمورى عنها . قال رجل من خاصة المنصور له قبل أن يقتل أبا مسلم بيوم واحد : إني رأيت اليوم لأبي مسلم ثلاثا تطيرت له منها . قال : ما هي ؟ قال : ركب فوقعت قلنسوته
--> ( 1 ) الطامث : الحائض . والمسوط : المخلوط . ( 2 ) العيون : الشديد الإصابة بالعين .